صديق الحسيني القنوجي البخاري

588

فتح البيان في مقاصد القرآن

لأن الاصرار على الكذب والبهتان من أعظم المنفرات ، والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله وينفر الناس عن قبول قوله ، فلما قال ذلك دل هذا على أن ذلك النعت كان مذكورا في التوراة والإنجيل ، وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته انتهى وسيأتي الكلام على ذلك في آخر هذه الآية إن شاء اللّه تعالى مستوفى . أخرج ابن سعد والبخاري وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبد اللّه بن عمرو بن العاص فقلت أخبرني عن صفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : أجل واللّه إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، ولن يقبضه اللّه حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا اللّه ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا . وروي نحو هذا مع اختلاف في بعض الألفاظ وزيادة ونقص في بعض عن جماعة ، وذكر الخميسي في تاريخه أن لفظ محمد مذكور في التوراة باللغة السريانية بلفظ المنحمنا ، ومعنى هذا اللفظ في تلك اللغة هو معنى لفظ محمد وهو الذي يحمده الناس كثيرا وذكر أن لفظ أحمد مذكور في الإنجيل بهذا اللفظ العربي الذي هو أحمد . يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ أي بكل ما تعرفه القلوب ولا تنكره من الأشياء التي هي من مكارم الأخلاق وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ أي عما تنكره القلوب ولا تعرفه وهو ما كان من مساوى الأخلاق ، قال عطاء : يأمرهم بخلع الأنداد وصلة الارحام ، وينهاهم عن عبادة الأصنام وقطع الارحام . وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ أي المستلذات التي تستطيبها الأنفس ، فتكون الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل ، وقيل ما حرم عليهم من الأشياء التي حرمت عليهم بسبب ذنوبهم من لحوم الإبل وشحوم الغنم والمعز والبقر ، وقيل ما كانوا يحرمونه على أنفسهم في الجاهلية من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي . وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ أي المستخبثات كالحشرات والخنازير والربا والرشوة وقال ابن عباس يريد الميتة والدم ولحم الخنزير وقيل هو كل ما يستخبثه الطبع أو تستقذره النفس فإن الأصل في المضار الحرمة إلا ما له دليل متصل بالحل . وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ الإصر الثقل أي يضع عنهم التكاليف الشاقة الثقيلة أو العهد الذي أخذ عليهم أن يعملوا بما في التوراة من الأحكام وقد تقدم بيانه في البقرة وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ الاغلال مستعارة للتكاليف الشاقة التي كانوا قد كفلوها ، وذلك مثل قتل النفس في التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة وقرض النجاسة عن